أحمد بن محمد القسطلاني

80

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

بميم الجمع وللكشميهني : لأكلت ( منه ما بقيت الدنيا ) أي مدة بقاء الدنيا إلى انتهائها ، لأن طعام الجنة لا يفنى . فإن قلت : لِمَ لم يأخذ العنقود ؟ أجيب بأنه من طعام الجنة الذي لا يفنى ، ولا يجوز أن يؤكل في الدنيا إلاّ ما يفنى لأن الله تعالى أوجدها للفناء ، فلا يكون فيها شيء مما يبقى . اه - . واختصر هنا الجواب عن تأخره ، وذكر في باقي الروايات : إنه لدنوّ نار جهنم . ومطابقة الحديث للترجمة في قوله : رأيناك تكعكعت ، لأن رؤية تكعكعه عليه الصلاة والسلام تدلّ على أنهم كانوا يراقبونه عليه الصلاة والسلام . 749 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ قَالَ : حَدَّثَنَا هِلاَلُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : " صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ رَقَا الْمِنْبَرَ فَأَشَارَ بِيَدَيْهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُ الآنَ - مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلاَةَ - الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قِبْلَةِ هَذَا الْجِدَارِ ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ . ثَلاَثًا " . وبه قال : ( حدّثنا محمد بن سنان ) بكسر السين المهملة وتخفيف النون ، وبعد الألف نون ثانية ، العوفي الباهلي الأعمى ، المتوفى سنة ثلاثة وعشرين ومائتين ، ( قال : حدّثنا فليح ) بضم الفاء وفتح اللام ، ابن سليمان بن أبي الغيرة الأسلمي المدني ، وقيل اسمه عبد الملك ( قال : حدّثنا هلال بن علي ) بن أسامة العامري المدني وقد نسب إلى جده ( عن أنس بن مالك ) رضي الله عنه ، وسقط لابن عساكر لفظ ابن مالك ( قال : صلّى لنا ) باللام . وفي نسخة : بنا ( النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثم رقى ) بالألف المقصورة ، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي : رقي : بكسر القاف وفتح الياء ، أي صعد ( المنبر ، فأشار بيديه ) بالتثنية ، وللأربعة : بيده ( قبل ) بكسر القاف وفتح الموحدة ، أي جهة ، ( قبلة المسجد ، ثم قال ) : ( لقد رأيت الآن ) اسم للوقت الذي أنت فيه ، وهو ظرف غير متمكن ، وقد وقع معرفة واللام فيه ليست معرّفة لأنه ليس له ما يشاركه حتى يميز ، ولا يشكل عليه أن رأى للماضي ، فكيف يجتمع مع الحال لدخول قد ، فإنها تقرّبه للحال ( منذ ) زمان ( صلّيت لكم الصلاة الجنة والنار ممثلتين ) أي : مصوّرتين ( في قبلة هذا الجدار ) حقيقة أو عرض على مثالهما ، وضرب له ذلك في الصلاة ، كأنهما في عرض الحائط ( فلم أر ) منظرًا ( كاليوم ) أي مثل نظر اليوم ( في ) أحوال ( الخير والشر ) . قال ذلك ( ثلاثًا ) . وقوله : صليت لكم بالماضي قطعًا واستشكل اجتماعه مع الآن ، وأجيب بأنه إما أن يكون كما قال ابن الحاجب : كل مخبر أو منشئ فقصده الحاضر ، فمثل صليت يكون للماضي الملاصق للحاضر ، وإما أنه أريد بالآن ما يقال عرفًا أنه الزمان الحاضر ، لا اللحظة الحاضرة الغير المنقسمة . ووجه مطابقة الحديث للترجمة أن فيه رفع البصر إلى الإمام . ورواته أربعة ، وفيه التحديث والعنعنة والقول ، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الصلاة والرقاق ، والله أعلم . 92 - باب رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلاَةِ ( باب ) كراهية ( رفع البصر إلى ) جهة ( السماء في الصلاة ) لأن فيه نوع إعراض عن القبلة ، وخروج عن هيئة الصلاة . 750 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلاَتِهِمْ ؟ فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ : لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ » . وبالسند قال : ( حدّثنا علي بن عبد الله ) المديني ( قال : أخبرنا ) ، وللأربعة : حدّثنا ( يحيى بن سعيد ) القطان ( قال : حدثنا ابن أبي عروبة ) بفتح العين المهملة وتخفيف الراء المضمومة وفتح الموحدة ، سعيد بن مهران ( قال : حدّثنا قتادة ) بن دعامة ( أن أنس بن مالك حدّثهم ) بميم الجمع ، ولأبي ذر : حدّثه ( قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أي بعدما صلّى بأصحابه ، وأقبل عليهم بوجهه الكريم كما عند ابن ماجة . ( ما بال أقوام ) أبهم خوف كسر قلب من يعنيه ، لأن النصيحة في الملأ فضيحة . وبال : بضم اللام ، أي : ما حالهم وشأنهم ( يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم ) زاد مسلم ، من حديث أبي هريرة : عند الدعاء ، فإن حمل المطلق على هذا المقيد اقتضى اختصاص الكراهية بالدعاء الواقع في الصلاة . قاله في الفتح وتعقبه العيني فقال : ليس الأمر كذلك ، بل المطلق يجري على المقيد ، والمقيد على تقييده ، والحكم عام في الكراهة ، سواء كان رفع بصره في الصلاة عند الدعاء ، أو بدون الدعاء ، لما رواه الواحدي في باب النزول من حديث أبي هريرة : أن فلانًا كان إذا صلّى رفع رأسه إلى السماء ، فنزلت : { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } [ المؤمنون : 2 ] ورفع البصر مطلقًا ينافي الخشوع الذي أصله السكون ، ( فاشتد قوله ) عليه الصلاة والسلام ( في ذلك ) أي في رفع البصر ، إلى السماء في الصلاة ، ( حتى قال ) : والله ، ( لينتهُنَّ ) بفتح أوله وضم الهاء ، لتدل على واو الضمير المحذوفة ، لأن أصله : لينتهوننّ ، وللمستملي والحموي : لينتهين بضم أوله وفتح المثناة الفوقية والهاء